|
New Page 1
بل
هذا هو سعد بن معاذ يا شيخ عبد العظيم !
بقلم : عبد الله الحسيني
إن مناقب السّيد الكبير والصحابي الشّهيد الشهير سعد بن معاذ الأنصاري البدري رضي
الله عنه في دواوين الحديث مشهورة، وفضائله في كتب السيرة منثورة، معدود في طبقة
كبراء الصحابة، مذكور في زمرة المحبين لآل البيت والقرابة، وعلى رأسهم نبينا محمد
صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه لما أسلم وقف على قومه فقال: يا بني عبد الأشهل كيف
تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلاً وأيمننا نقيبة، قال : فإن كلامكم علي حرام،
رجالكم ونساؤكم، حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فوالله ما بقي في دار بني عبد
الأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا، ولما أصيب يوم الخندق قال: اللهم إنك تعلم أنه
ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك، من قوم كذبوا رسولك صلى الله عليه وآله وسلم
وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش
شيء فأبقني له، حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها،
فانفجرت من لبته ومات رضي الله عنه.
وهو القائل لعلي بن أبي طالب عليه السلام: خاطب النبي صلى الله عليه وآله في أمر
فاطمة فو الله إني ما أرى أن النبي عليه السلام يريد بها غيرك، قال له علي عليه
السلام: وما أنا بذي دنيا يلتمس ما عندي وقد علم صلى الله عليه وآله إنه ما لي
حمراء ولا بيضاء، فقال له سعد: اعزم عليك لتفعلن، فقال له علي عليه السلام: ماذا
أقول؟ قال له: تقول له جئتك خاطباً إلى الله تعالى وإلى رسوله فاطمة بنت محمد،
فانطلق علي عليه السلام وتعرض للنبي صلى الله عليه وآله، فقال له رسول الله صلى
الله عليه وآله: كأن لك حاجة؟ قال: أجل، قال: هات، فقال: جئتك خاطباً إلى الله وإلى
رسوله فاطمة بنت محمد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: مرحباً وحبا، فقال ذلك
لسعد، فقال: لقد أنكحك ابنته، إنه لا يخلف ولا يكذب، ذكر ذلك الشيخ الحلّي - من
علماء الإمامية في القرن الثامن الهجري - في كشف اليقين (ص 195-196) في مبحث تزويج
علي بفاطمة عليهما السلام.
ولما جاءت ليلة الزفاف وعمت الفرحة بين الناس، يومها قال رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم: يا علي إنه لا بد للعرس من وليمة، فسبق الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي
الله عنه الجميع لينال شرف إعداد وليمة علي وفاطمة رضي الله عنهما وقال: عندي شاة،
وجمع له رهط من الأنصار آصعاً من ذرة، كما ذكر ذلك الشيخ المجلسي - من علماء
الإمامية في القرن الثاني عشر الهجري - في بحار الأنوار (43/137) في باب تزويج
فاطمة صلوات الله عليها.
لا ريب أننا أمام شخصية عظيمة فذة تتجلى فيها المودة الأصيلة لآل البيت عليهم
السلام، وتتحلى بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وتستحق منا كل الإجلال والتقدير
والحب والتوقير.
وقد ساق الأخ العزيز إبراهيم الشيخ شذرات رائعة من مناقب هذا الصحابي الجليل رضوان
الله عليه في مقاله الموفق (هذا هو سعد بن معاذ يا شيخ عبد العظيم).
وحقيقة كنا نأمل بعدها من الشيخ عبد العظيم المهتدي أن يبادر إلى إبداء الاعتذار
عما طرحه في مؤتمر "أخلاقنا بين النظرية والسلوك"، وذلك عندما أعطى مثالاً لدرجات
الجنة العليا التي لا يصلها صاحب الخلق السيء، ولو كان بمقام الصحابي الجليل سعد بن
معاذ الذي عصره قبره لسوء خلقه مع أهله في البيت!
ولكن فوجئنا من فضيلته لما كتب رداً على أخينا إبراهيم الشيخ يؤكد فيه ما طرحه في
المؤتمر، ويصر عليه إصراراً عجيبا، ويوجهه توجيهاً غريبا، بل ادعى أن ما اختاره أخف
مما هو وارد في بعض كتب أهل السنة في هذه المسألة!
وليسمح لي الشيخ عبدالعظيم بأن أحاوره في محورين أساسيين، محور يخص أهل السنة
والجماعة، ومحور آخر خاص بمصادر الشيخ الروائية.
أما المحور الأول: فإن أهل السنة والجماعة يعتقدون بأن ضغطة القبر وضمته حق،
ويستدلون على ذلك بأحاديث صحيحة عامة تثبت الضمة مطلقا، كما يستدلون بأحاديث صحيحة
خاصة تثبت ضم القبر للصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه.
وهم يفسرون ضمة القبر للصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه بما فسرها الإمام
الذهبي في السير (1/290-291) فقال: (هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء، بل هو
أمر يجده المؤمن، كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه،
وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم
قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار ونحو ذلك، فهذه الأراجيف
كلها تنال العبد، وما هي من عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي
يرفق الله به في بعض ذلك، أو كله، ولا راحة للمؤمن من دون لقاء ربه، قال الله تعالى:
(وأنذرهم يوم الحسرة) وقال: (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر) فنسأل الله
تعالى العفو واللطف الخفي، ومع هذه الهزات فسعد ممن نعلم أنه من أهل الجنة، وأنه من
أرفع الشهداء رضي الله عنه، كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هول في الدارين،
ولا روع ولا ألم ولا خوف، سل ربك العافية، وأن يحشرنا في زمرة سعد)ا.هـ.
وما يُروى في سبب ضغطة القبر للصحابي الجليل سعد من أنه كان يقصر في بعض الطهور من
البول، فالمحققون من أهل السنة والجماعة ردّوا كلّ ما رُوي في ذلك متنا، ونزهوا من
كان بمقام هذا الصحابي الشهير عن الوقوع في مثل هذا التقصير، قال الإمام ابن الجوزي
في الموضوعات (3/234) : (حوشي سعد أن يقصّر فيما يجب عليه من الطهارة)ا.هـ وأقره
على ذلك الأئمة كالذهبي وابن كثير وابن حجر العسقلاني والسيوطي وغيرهم.
كما ردّوا هذه الروايات سندا، وحكموا عليها بالغرابة والنكارة والانقطاع والجهالة
والضعف الشديد، فإليكم هذه الروايات مع التعليق عليها باختصار:
.1 عن أمية بن عبدالله أنه سأل بعض أهل سعد: (ما بلغكم من قول رسول الله في هذا
فقالوا : ذُكر لنا أن رسول الله سئل عن ذلك، فقال: كان يقصر في بعض الطهور من البول)
رواه البيهقي في إثبات عذاب القبر (116) ودلائل النبوة (4/30) من طريق أحمد بن
عبدالجبار قال حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن أمية، وهي حكاية عن مجاهيل،
ويونس بن بكير: صدوق يخطئ لكنه كان يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله بالأحاديث، وأحمد بن
عبدالجبار العطاردي الكوفي: ضعيف أجمع أهل العراق على ضعفه، ولذلك قال الإمام ابن
كثير في البداية والنهاية (6/103) : (وقد ذكر البيهقي رحمه الله بعد روايته ضمة سعد
رضى الله عنه في القبر أثراً غريباً-فذكره-)ا.هـ أي ضعيفاً منكرا.
.2 عن سعيد المقبري قال : (لما دفن رسول الله سعداً قال: لو نجا أحد من ضغطة القبر
لنجا سعد، ولقد ضم ضمة اختلفت منها أضلاعه من أثر البول) أخرجه ابن سعد في الطبقات
(3/430) من طريق أبي معشر عن سعيد المقبري، وهو مرسل غير متصل، لأن سعيداً المقبري
من التابعين، وأبو معشر نجيح بن عبد الرحمن : ضعيف منكر الحديث كان يحدث عن المقبري
بأحاديث منكرة كهذا الحديث، ولذلك قال الإمام الذهبي في السير (1/295) : (هذا
منقطع)ا.هـ
.3 عن الحسن قال: (أصاب سعد بن معاذ جراحة فجعله النبي صلى الله عليه وسلم عند
امرأة تداويه، فمات من الليل، فأتاه جبريل عليه فأخبره، فقال: لقد مات الليلة فيكم
رجل لقد اهتز العرش لحب لقاء الله إياه، فإذا هو سعد، قال : فدخل رسول الله صلى
الله عليه وسلم قبره فجعل يكبر ويهلل ويسبح، فلما خرج قيل له يا رسول الله ما
رأيناك صنعت هكذا قط. قال: إنه ضم في القبر ضمة حتى صار مثل الشعرة، فدعوت الله أن
يرفه عنه ذلك، وذلك أنه كان لا يستبرئ من البول) أخرجه هناد بن السري في الزهد
(357) من طريق أبي سفيان عن الحسن، وهو مرسل غير متصل، ومراسيل الحسن البصري من
أوهى المراسيل، وأبو سفيان: هو طريف بن شهاب متروك مجمع على ضعفه، ولذلك نص الأئمة
الحفاظ على ضعف الحديث ووهنه كابن الجوزي في الموضوعات (3/234) والذهبي في تلخيص
الموضوعات (ص 344) وابن حجر العسقلاني في القول المسدد (ص 80) والسيوطي في اللآلئ
المصنوعة (2/436).
ومن المؤسف حقاً أن الشيخ عبد العظيم قد ذكر بعض هذه المصادر في مقالته كـ "البداية
والنهاية" للإمام ابن كثير و"القول المسدد" للإمام ابن حجر العسقلاني، من دون أن
يشير إلى تضعيف المؤلفين لهذه الروايات في نفس المصدر، فهل هذا ما تقتضيه الأمانة
العلمية!
أما الحديث الذي ذكره الشيخ عبدالعظيم ونسبه إلى كنز العمال (15/639) وهو: (الضمّة
في القبر كفارة لكل مؤمن لكل ذنب بقي عليه لم يُغفَر له..) فقد رواه الرافعي في
التدوين في أخبار قزوين (2/352)، وهو حديث منكر جداً بل كذب موضوع، فيه: إسماعيل بن
أبي زياد وهو كذّاب، وتتضح نكارته الشديدة من تتمة الحديث: (وذلك أن يحيى بن زكريا
عليهما السلام ضمه القبر ضمة في أكلة الشعير)، والمعروف أن الأنبياء عليهم السلام
لا يضغطون في قبورهم. وبعد هذا البيان يتضح لنا موقف علماء أهل السنة والجماعة في
الذود عن الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضوان الله عليه، وينبغي أن يكون موقف كل غيور
عرف فضله وفضيلته ونصحه ونصيحته وجهاده وتضحيته.
وإن تعجب فعجب قول الشيخ عبد العظيم : (يتأكد لنا أن السبب الذي اخترناه للضغطة أخفّ
مما ورد في بعض كتب إخواننا أهل السنة)ا.هـ، أقول : أما السبب الوارد في كتبنا فقد
ردّه علماؤنا المحققون وبينوا بطلانه سنداً ومتناً كما سبق، ثم كيف يكون السبب الذي
اخترتموه (وهو سوء خلقه مع أهله) أخف وأهون، ومعلوم أن الحياة مع سيئ الخلق صعبة
جداً لا تكاد تحتمل، ونتائج الأخلاق السيئة لا تقتصر على المرء وحده، بل تتعداه إلى
غيره، فلا يستطيع سيئ الخلق أن يعيش عيشة سعيدة هنية لا مع زوجته ولا مع غيرها.
أكتفي بهذا القدر بخصوص المحور الأول، وللحوار بقية إن شاء الله مع الشيخ عبد
العظيم المهتدي فيما ادعاه من أن السبب المذكور لديهم يعدّ حديثاً متواتراً في
مصادرهم الروائية
بين الصّحابي سعد وآل البيت تميزت
العلاقة بين الصحابي الجليل سعد بن معاذ الأنصاري رضوان الله عليه وآل البيت عليهم
السلام بالرحمة والمحبة، وتوطدت بينهم أواصر المودة والألفة، وجمعتهم مظلّة الأخوة
في الله، مصداقاً لقول الله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار
رحماء بينهم) الفتح: .29 لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستشير أصحابه
رضوان الله عليهم في الخروج إلى بدر ويقول: أشيروا علي، فقام سعد بن معاذ، فقال:
بأبي أنت وأمي يا رسول الله كأنك أردتنا؟ قال: نعم، قال: فلعلك خرجت على أمر قد
أمرت بغيره، قال: نعم، قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إنا قد آمنا بك وصدقناك
وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله فمرنا بما شئت وخذ من أموالنا ما شئت
واترك منه ما شئت والذي أخذت منه أحب إلي من الذي تركت منه، والله لو أمرتنا أن
نخوض هذا البحر لخضناه معك، فجزاه خيرا، ثم قال سعد: بأبي أنت وأمي يا رسول الله
والله ما خضت هذا الطريق قط وما لي به علم وقد خلفنا بالمدينة قوماً ليس نحن بأشد
جهاداً لك منهم ولو علموا أنه الحرب لما تخلفوا ولكن نعد لك الرواحل ونلقى عدونا
فإنا نصبر عند اللقاء، أنجاد في الحرب وإنا لنرجو أن يقر الله عينك بنا فإن يك ما
تحب فهو ذلك وإن يكن غير ذلك قعدت على رواحلك فلحقت بقومنا، ذكر ذلك الشيخ القمي -
من علماء الإمامية في القرن الرابع الهجري - في تفسيره (1/259) وغيره.
الله أكبر، ما أروع هذه الروح المثالية
والعزيمة الراسخة التي يتحلى بها الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه في طاعته
وانقياده لرأس آل البيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بمثل هذه المواقف البطولية
الخالدة تُضرب الأمثال لأجيالنا حتى يتخذوها قدوة صالحة لهم في دينهم ودنياهم. وعن
أبي عبدالله عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله صلّى على سعد بن معاذ، وقال:
(لقد وافى من الملائكة سبعون ألفا وفيهم جبرائيل عليه السلام، يصلون عليه) رواه
الشيخ الكليني في الكافي (2/622) والشيخ الصدوق في ثواب الأعمال (ص 128)، وقال
الشيخ الخوئي - من علماء الإمامية في القرن الخامس عشر الهجري - في معجم رجال
الحديث (9/95): (سند الرواية صحيح على الأظهر، ودلالتها على جلالة سعد بن معاذ
ظاهرة، وهذه هي العمدة في المقام) ا.هـ،
رجل يتسابق 70 ألفا من الملائكة
يتقدمهم جبريل عليه السلام للصلاة عليه، ثم يأتينا في هذا الزمن من يضرب به المثل
في سوء الخلق مع أهله! لقد اكتفيت في المقال السابق بالحوار مع الشيخ عبدالعظيم
المهتدي حول المحور الذي يخص أهل السنة والجماعة، وذلك عندما ادعى الشيخ أن ما
اختاره من سبب لضغطة قبر الصحابي سعد رضي الله عنه (سوء خلقه مع أهله) أخف مما هو
وارد في بعض كتب أهل السنة (تقصيره في الطهور من البول)! وبينت فيه أن المحققين من
أهل السنة والجماعة قد تصدوا لكل هذه الروايات، وأبطلوها سنداً ومتنا، ونزهوا من
كان بمنزلة هذا الصحابي الشهير عن الوقوع في مثل هذا التقصير، ونقلت كلامهم موثقاً
بالمصادر، وأشرت إلى أن السبب الذي اختاره الشيخ ليس بأهون ولا أخف،
فمن المعروف أن الحياة مع سيئ
الخلق لا تطاق، والمرء بسوء خلقه يضر نفسه ومن حوله، وبالتالي يهدد حياته بالشقاء
والتعاسة والكدر. وقد آن الأوان للحوار مع الشيخ عبدالعظيم حول المحور الآخر الخاص
بمصادره الروائية الإمامية التي ادعى أن الحديث فيها متواتر يثبت سوء خلق الصحابي
الجليل سعد رضي الله عنه مع أهله - حاشاه-. لكن قبل كل شيء لابد من تعريف للحديث
المتواتر، وهو: (ما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً أحالت العادة تواطؤهم على الكذب،
واستمر ذلك الوصف في جميع الطبقات، حيث تتعدد، فيكون أوله كآخره ووسطه كطرفيه، وهو
يفيد العلم ويجب العمل به) ا.هـ، كما
عرفه بذلك الشيخ العاملي - من علماء الإمامية في القرن العاشر الهجري - في الدراية
في علم مصطلح الحديث (ص 12). والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل صحيح ما ادعاه الشيخ
عبدالعظيم بتواتر الحديث الوارد في سبب ضغطة القبر للصحابي الجليل سعد بن معاذ (سوء
خلقه مع أهله) في المصادر الروائية الإمامية أم أنها مجرد دعوى لا أساس لها من
الصحة؟!
دفعني هذا الادعاء حقيقة إلى النظر
في المصادر الروائية الإمامية للوقوف على طرق هذا الحديث، فلم أعثر إلا على هذين
الحديثين التاليين: .1 عن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام: (إن رسول الله صلى
الله عليه وآله خرج في جنازة سعد وقد شيعه سبعون ألف ملك فرفع رسول الله صلى الله
عليه وآله رأسه إلى السماء ثم قال: مثل سعد يضم، قال: قلت: جعلت فداك إنا نحدث أنه
كان يستخف بالبول، فقال: معاذ الله إنما كان من زعارة - أي: سوء- في خلقه على أهله)
رواه الشيخ الكليني في الفروع من الكافي (3/236) من طريق عثمان بن عيسى عن علي بن
أبي حمزة عن أبي بصير، علي بن أبي حمزة قال عنه الحسن بن علي بن فضال: «كذّاب ملعون،
قد رويتُ عنه أحاديث كثيرة،
وكتبت تفسير القرآن كله من أوله
إلى آخره، إلا أني لا أستحل أن أروي عنه حديثاً واحدا« كما في رجال الكشي (2/706)،
وقال الشيخ العاملي في شرح اللمعة (3/96) : «هو من الكذابين الذين لا يخافون الله
تعالى، وقد ذمه أئمة الحديث ونقدة الرجال«، ولذلك قال الشيخ المجلسي - من علماء
الإمامية في القرن الثاني عشر الهجري - عن هذا الحديث في مرآة العقول (14/207): (ضعيف
على المشهور) ا.هـ، وقال الشيخ الخوئي في معجم رجال الحديث (9/95) بعد أن ذكر صحح
حديثاً يدل على جلالة سعد رضي الله عنه
وأنه العمدة في هذا المقام: (وهناك
روايات أخر كلّها ضعيفة) ا.هـ. .2 عن أبي عبدالله الصادق جعفر بن محمد عليهما
السلام قال: (أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له: إن سعد بن معاذ قد مات...
قالوا: أمرتَ بغسله، وصليتَ على جنازته ولحدته في قبره، ثم قلت: إن سعداً قد أصابته
ضمة؟ قال: فقال صلى الله عليه وآله: نعم، إنه كان في خلقه مع أهله سوء) رواه الشيخ
الصدوق في الأمالي (ص 468) وعلل الشرائع (1/310) وعنه الشيخ الطوسي في الأمالي (ص
427) من طريق علي بن بزرج الحناط قال حدثنا عمرو بن اليسع عن عبدالله بن سنان، عمرو
بن اليسع لم أجد من وثقه من علماء الإمامية، وعلي بن بزرج «لم يكن بذاك في المذهب
والحديث وإلى الضعف ما هو« كما في
رجال النجاشي (ص
257) ورجال ابن داود (ص 211)، وقد ذكر الشيخ الخوئي في معجم رجال الحديث (9/95-96)
هذا الحديث ضمن الأحاديث الضعيفة الواردة في شأن الصحابي الجليل سعد بن معاذ، ثم
قال: (هذه الرواية لا يُعتمد عليها، لأن في سندها عدة مجاهيل) ا.هـ. أين دعوى تواتر
الحديث في المصادر الروائية الإمامية يا شيخ عبدالعظيم؟! وحتى هذين الحديثين
المذكورين لم يسلما من تضعيف علماء الإمامية لهما؟! وإنني أحمد الله تعالى كثيراً
على اتفاق علماء أهل السنة والإمامية على ردّ مثل هذه الروايات الباطلة وتضعيفها،
ذباً عن السيد الكبير والصحابي الشهير سعد بن معاذ رضوان الله عليه. ولا يمكن أن
نُرجع سبب ضغطة القبر إلى سوء الخلق مع الأهل بأي حال من الأحوال، فقد رويت في
مصادركم الروائية الإمامية أحاديث تذم سوء الخلق ذماً شديدا،
حتى أنه
يذهب بخيري الدنيا والآخرة، بل يُدخل النار لا محالة! وكل هذا لا يليق بمقام
الصحابي الجليل سعد رضي الله عنه. فعن أبي عبدالله عليه السلام قال: (إن سوء
الخُلُقِ ليفسد العملَ كما يُفسد الخل العسلَ) رواه الشيخ الكليني في الكافي
(2/242)، وقال الشيخ المجلسي الثاني في مرآة العقول (10/260): (حسن كالصحيح) ا.هـ.
وجاء عن رسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن جبرائيل الروح الأمين نزل علي
من عند رب العالمين فقال: يا محمد عليك بحسن الخلق، فإن سوء الخلق يذهب بخير الدنيا
والآخرة) رواه الشيخ الصدوق في الأمالي (ص 270-271)، وقال الشيخ المجلسي الأول - من
علماء الإمامية في القرن الحادي عشر الهجري - في روضة المتقين (13/228) : (في القوي
كالصحيح) ا.هـ. وفي عيون أخبار الرضا (2/31) أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
قال: (إياكم وسوء الخلق، فإن سوء الخلق في النار لا محالة). أفيعقل يا شيخ
عبدالعظيم أن يكون سوء الخلق أخف وأهون،
وهذه
الأحاديث الصحيحة تنادي بهذا الوعيد الشديد، وتُدخل سيئ الخلق في النار بكل تأكيد!
وقد توصلت بعد هذا الحوار مع الشيخ عبدالعظيم المهتدي إلى الخلاصة التالية:
.1 اتهم الشيخُ
الصحابيَ الجليل سعد بسوء خلقه مع أهله في المؤتمر ثم أصرّ على رأيه، وفي ذلك إساءة
صريحة الى الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه، والذي اتفق أهل السنة
والإمامية على جلالته وفضله وعلو منزلته.
.2 ادعى
الشيخُ تواتر الحديث فيما اتهم به الصحابي الجليل سعد في مصادره الروائية، وكشفنا
بطلان هذه الدعوى، حيث نقلنا اتفاق علماء الإمامية على تضعيف هذه الأحاديث وردها،
ويظهر أن الشيخ أتى بدعوى التواتر ليخرج نفسه من الحرج الذي وقع فيه، فوقع فيما هو
أشد منه.
.3 ادعى الشيخُ أن
في بعض كتب أهل السنة أشد وأغلظ مما اختاره، وكشفنا زيف هذه الدعوى، حيث نقلنا
اتفاق محققي أهل السنة على رد هذه الأحاديث سنداً ومتناً.
.4 ذكر الشيخُ في
مقالته بعض مصادر أهل السنة لإسعاف دعواه، من دون أدنى إشارة إلى تضعيف المؤلفين
لهذه الروايات في المصادر ذاتها، فرحمة الله على الأمانة العلمية!
.5 ثبتت منزلة
الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه وعلاقة الود والرحمة التي جمعت بينه وبين
آل البيت عليهم السلام بالروايات الصحيحة، فلا يليق بأي مسلم من أي مذهب كان أن
ينال من هذا الصحابي الشهير بالطعن أو اللمز، فإن هذا لا يجوز مع أصحاب خير البرية
محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
صحيفة أخبار الخليج
|